السيد علي عاشور
78
موسوعة أهل البيت ( ع )
فقصدت أثره ، فلمّا قربت منه إذا أنا بأسود مثل الفنيق « 1 » قد اعترضني فصاح بي بصوت لم أسمع أهول منه : ما تريد عافاك الله ؟ فإرتعدت ووقفت وزال الشخص عن بصري وبقيت متحيّرا ، فلمّا طال بي الوقوف والحيرة انصرفت ألوم نفسي وأعذلها بانصرافي بزجرة الأسود ، فخلوت بربّي عزّ وجلّ أدعوه وأسأله بحقّ رسوله وآله أن لا يخيب سعيي ، وأن يظهر لي ما يثبّت به قلبي ويزيد في بصري ، فلمّا كان بعد سنين زرت قبر المصطفى صلّى اللّه عليه وآله وسلّم ، فبينا أنا في الروضة التي بين القبر والمنبر إذ غلبتني عيني فإذا محرّك يحرّكني فاستيقظت فإذا أنا بالأسود فقال : ما خبرك وكيف كنت ؟ فقلت : أحمد اللّه وأذمّك . فقال : لا تفعل فإنّي أمرت بما خاطبتك ، به وقد أدركت خيرا كثيرا فطب نفسا وازدد من الشكر للّه عزّ وجلّ على ما أدركت وعاينت ، ما فعل فلان - وسمّى بعض إخواني المستبصرين - فقلت : ببرقة « 2 » . فقال : صدقت ففلان ؟ - وسمّى رفيقا لي مجتهدا في العبادة مستبصرا في الديانة ، فقلت : بالإسكندرية ، حتّى سمّي لي عدّة من إخواني ، ثمّ ذكر اسما غريبا فقال : ما فعل فقفور ؟ قلت : لا أعرفه . فقال : كيف لا تعرفه وهو رومي فيهديه اللّه فيخرج ناصرا من قسطنطينة . ثمّ سألني عن رجل آخر فقلت : لا أعرفه . فقال : هذا رجل من أهل هيت من أنصار مولاي ، امض إلى أصحابك فقل لهم : نرجو أن يكون قد أذن اللّه في الإنتصار للمستضعفين وفي الانتقام من الظالمين ، وقد لقيت جماعة من أصحابي وأديت إليهم وأبلغتهم ما حملت وأنا منصرف ، وأشير عليك أن لا تتلبّس بما يثقل به ظهرك وتتعب به جسمك ، وأن تحبس نفسك على طاعة ربّك فإنّ الأمر قريب إن شاء اللّه ، فأمرت خازني فأحضر لي خمسين دينارا وسألته قبولها فقال : يا أخي قد حرّم اللّه علي أن آخذ منك ما أنا مستغن عنه كما أحلّ لي أن آخذ منك الشيء إذا احتجت إليه . فقلت : هل سمع هذا الكلام منك أحد غيري من أصحاب السلطان ؟ فقال : نعم أخوك أحمد بن الحسين الهمداني المدفوع عن نعمته بأذربايجان ، وقد استأذن للحج أملا أن يلقى ما لقيت ، فحجّ أحمد بن الحسين الهمداني رحمه اللّه في تلك السنة فقتله ركزويد بن مهرويه ، وافترقنا وانصرفت إلى الثغر ، ثمّ حججت فلقيت بالمدينة رجلا اسمه طاهر من ولد الحسين الأصغر يقال إنّه يعلم من هذا الأمر شيئا ، فثابرت عليه حتّى أنس بي وسكن إلي ، ووقف على صحّة عقيدتي فقلت له : يا بن رسول اللّه بحق آبائك الطاهرين لما جعلتني مثلك في العلم بهذا الأمر ، فقد شهد عندي من توثقه ، يقصد القاسم بن عبيد اللّه بن سليمان بن وهب ، إيّاي بمذهبي واعتقادي ، وإنّه غزا بلادي مرارا فسلّمني اللّه منه . فقال : يا أخي أكتم ما تسمع منّي الخبر في هذه الجبال ، وإنّما يرى العجائب الذين يحملون الزاد في الليل ويقصدون به مواضع يعرفونها ، فقد نهينا عن الفحص والتفتيش ، فودّعته وانصرفت عنه « 3 » .
--> ( 1 ) الفنيق : الفحل من الإبل المكرم . ( 2 ) قرية من قرى قم . ( 3 ) بحار الأنوار : 52 / 4 ح 2 وغيبة الشيخ : 257 .